محمد متولي الشعراوي
10429
تفسير الشعراوي
وكذلك السيدة خديجة : هل انتظرت من رسول الله ما يُثبت نبوته ؟ إنها بمجرد أن قال رسول الله صدَّقتْ به ، ووقفت بجانبه وثبَّتته وهدَّأتْ من روعه ، وقالت له : « والله لا يُسلمك الله أبداً ، إنك لتصِلُ الرحم ، وتحمل الكَلَّ ، وتعين على نوائب الدهر » . ومعنى : { مَهْجُوراً } [ الفرقان : 30 ] من الهجر وهو قَطْع الصلة ، فإنْ كانت من جانب واحد فهي هَجْر ، وإن كانت من الجانبين فهي ( هاجراً ) . والمعنى : أنهم هجروا القرآن ، وقطعوا الصلة بينهم وبينه ، وهذا يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية ، فلم يأخذوا أدلة اليقين العقدية ، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذَّبوا بها ، وانقطعوا عن الأحكام حينما عَصَوْها ، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجوراً في كل هذه المسائل : العقائد والعبادات والتصديق بالرسول . مع أن العرب لو فهموا قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [ الزخرف : 44 ] لمجّدوا القرآن وتمسَّكوا به ، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم ، وأعْلَى ذِكْرهم بين الأمم ، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذتْ لهجتها الخاصة الوطنية ، وجعلت منها لغةً لتلاشت العربية كلغة . وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدَّثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها شيئاً ، ولولا أن الفُصْحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحتْ كلٌّ منها لغةً خاصة ، كما حدث في اللغات اللاتينية